أحمد بن محمد المقري التلمساني

327

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

سنة تسع وعشرين ومائة ، فدانت له تسع سنين وتسعة أشهر ، وعنه كما مرّ انتقل سلطانها إلى بني أمية ، واستفحل ملكهم بها إلى بعد الأربعمائة ، ثم انتثر سلكهم « 1 » ، وباد ملكهم ، كما وقع لغيرهم من الدول في القرون السالفة ، سنّة اللّه التي قد خلت في عباده . وكانت مدة الأمراء قبل عبد الرحمن الداخل من يوم فتحت الأندلس إلى هزيمة يوسف الفهري والصميل ستا وأربعين سنة وشهرين وخمسة أيام ؛ لأن الفتح كان حسبما تقدّم لخمس خلون من شوّال سنة اثنتين وتسعين ، وهزيمة يوسف يوم الأضحى لعشر خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين ومائة ، واللّه غالب على أمره . وحكي أن عبد الرحمن بن معاوية دخل يوما على جدّه هشام ، وعنده أخوه مسلمة بن عبد الملك ، وكان عبد الرحمن إذ ذاك صبيّا ، فأمر هشام أن ينحّى عنه ، فقال له مسلمة : دعه يا أمير المؤمنين ، وضمّه إليه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، هذا صاحب بني أمية ، ووزرهم « 2 » عند زوال ملكهم ، فاستوص به خيرا ، قال : فلم أزل أعرف مزية من جدي من ذلك الوقت . وكان الداخل يقاس بأبي جعفر المنصور في عزمه وشدّته وضبط المملكة ، ووافقه في أن أمّ كلّ منهما بربرية ، وأنّ كلّا منهما قتل ابن أخيه ، إذ قتل المنصور ابن السفاح ، وقتل عبد الرحمن ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية . ومن شعر عبد الرحمن وقد رأى نخلة برصافته « 3 » : [ بحر الطويل ] تبدّت لنا وسط الرّصافة نخلة * تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرّب والنّوى * وطول اكتئابي عن بنيّ وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبة * فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي « 4 » سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي * يصحّ ويستمري السّماكين بالوبل « 5 » وكان نقش خاتمه « بالله يثق عبد الرحمن ، وبه يعتصم » . وأشاع سنة 163 الرحيل إلى الشام لانتزاعها من بني العباس ، وكاتب جماعة من أهل بيته ومواليه وشيعته ، وعمل على أن يستخلف ابنه سليمان بالأندلس في طائفة ، ويذهب بعامة من أطاعه ، ثم أعرض عن ذلك بسبب

--> ( 1 ) انتثر سلكهم : ضعفوا وباد ملكهم ، واندثرت قوتهم . ( 2 ) الوزر ، بفتح الواو والزاي : الملجأ والحصن . وفي ب : ووزرهم ( بالنصب ) . ( 3 ) انظر ابن عذاري 2 / 62 . والحلة السيراء : 37 . ( 4 ) المنتأى : البعد . ( 5 ) الوبل : المطر الغزير .